دفاتر مفتوحة ومغلقة على مكتب وقت الغروب ترمز إلى البدايات المتكررة في بودكاست غسق العبور.

ليش كل مرة أبدأ من جديد؟ | بودكاست غسق العبور

July 19, 20266 min read

ليش كل مرة أبدأ من جديد؟ | عندما لا تكون البدايات المتكررة فشلًا

هل تعرف شعور أن تبدأ شيئًا جديدًا وأنت مقتنع هذه المرة أنها مختلفة؟

تتحمس للفكرة.

تشتري دفترًا جديدًا.

تفتح ملفًا جديدًا.

تكتب خطة، وتجمع المراجع، وتتخيل شكل النتيجة.

ولعدة أيام، تشعر أنك أخيرًا وجدت الشيء الذي يشبهك.

ثم يهدأ كل شيء.

يختفي الحماس.

يُغلق الملف.

ويعود الدفتر إلى الرف.

ويبقى سؤال واحد يتكرر داخلك:

«أنا وش فيني؟»

إذا مررت بهذا المشهد أكثر من مرة، فقد تبدأ مع الوقت في تفسيره بطريقة قاسية.

يمكن تقول لنفسك إنك لا تعرف الالتزام.

أو إنك تتحمس بسرعة.

أو إنك تضيع الفرص.

وربما تتحول التجارب التي لم تكتمل، من أحداث عابرة في حياتك، إلى أدلة تستخدمها ضد نفسك.

لكن ماذا لو لم تكن كل تلك البدايات دليلًا على فشلك؟

ماذا لو كانت تحاول أن تعرّفك على نفسك؟عشان تسمعها؟


…كل البدايات التي كنت أحسبها فشلًا

.كانت في الحقيقة تجمع لي أجزاء الصورة


هل التوقف يعني أنك لا تعرف الالتزام؟

أحيانًا لا يكون أصعب ما في التوقف هو المشروع الذي لم يكتمل.

بل الكلام الذي نبدأ بقوله لأنفسنا بعده.

في البداية نقول:

«هذا المشروع ما اكتمل».

ثم، مع تكرار التجربة، يتغير الكلام قليلًا:

«أنا ما أكمل».

وبعد فترة، قد تتحول الجملة إلى حكم كامل على هويتنا:

«أنا شخص فاشل».

هنا لا نعود ننظر إلى أنفسنا كأشخاص يبحثون، ويجربون، ويحاولون فهم الطريق.

بل نبدأ في رؤية أنفسنا من خلال الأشياء التي لم نكملها فقط.

وكل بداية جديدة تصبح مخيفة؛ لأنها لم تعد مجرد تجربة، بل اختبارًا جديدًا لصورتنا عن أنفسنا.

إما أن نكمل ونثبت أننا قادرون، أو نتوقف ونضيف دليلًا آخر إلى الحكم القديم.


لماذا تبدو رحلات الآخرين أوضح من رحلتنا؟

نعيش اليوم أمام نتائج الناس باستمرار.

نشاهد شخصًا يعلن عن مشروعه.

وشخصًا يحتفل بإنجاز جديد.

وآخر يبدو وكأنه وجد طريقه منذ البداية.

فنقارن وضوح النتيجة التي وصل إليها الآخر، بالمرحلة المرتبكة التي نعيشها نحن.

وننسى أننا غالبًا لا نرى السنوات التي سبقت تلك النتيجة.

لا نرى الأفكار التي تغيّرت.

ولا المحاولات التي توقفت.

ولا الطرق التي بدأت ثم أُغلقت.

ولا الأسئلة التي عاشها الشخص قبل أن يصل إلى الشيء الذي نراه اليوم.

نحن نرى النتيجة مكتملة، بينما نعيش رحلتنا من الداخل بكل فوضاها وترددها.

ولهذا تبدو طرق الآخرين أكثر وضوحًا، بينما يبدو طريقنا وكأنه سلسلة من البدايات غير المكتملة.


المشروع الذي توقفت عنه… لكنه لم يختفِ

من التجارب التي بقيت في ذاكرتي مشروع بدأته باسمSelf Space.

كانت فكرته بسيطة:

مقاطع قصيرة أتحدث فيها عن مشاعر نمر بها جميعًا، لكننا أحيانًا لا نعرف حتى كيف نسميها.

كنت أكتب النصوص، وأسجلها، وأمنتج المقاطع بنفسي.

وأجلس عليها ساعات طويلة، مو لأنها تحتاج كل ذلك الوقت، لكن لأنني كنت مستمتعة.

ولأول مرة منذ فترة، شعرت أنني أصنع شيئًا يشبهني فعلًا.

نشرت المقاطع الأولى.

ثم توقفت.

لم يطلب مني أحد أن أتوقف.

لم أتعرض لانتقاد كبير.

ولم يحدث شيء واضح يفسر انسحابي.

أنا التي توقفت.

وعاد السؤال نفسه:

ليش كل مرة إذا اقتربت من شيء أحبه، أرجع خطوة إلى الوراء؟

وقتها كنت أرى Self Space مشروعًا آخر لم أكمله.

لكن عندما عدت إليه بعد فترة، رأيته بطريقة مختلفة.

كثير من الأفكار التي كنت أتحدث عنها هناك، هي نفسها الأفكار التي تسمعها اليوم في غسق العبور.

الصيغة تغيّرت.

والاسم تغيّر.

والفكرة نضجت.

لكن شيئًا من تلك التجربة بقي.

وكأن Self Space لم يكن مشروعًا ضائعًا، بل محطة كانت تجهزني لما جاء بعدها.

ولو لم تبدأ تلك التجربة، ربما لم يكن غسق العبور موجودًا اليوم بالشكل نفسه.


كل بداية كانت تجمع جزءًا من الصورة

مع الوقت، بدأت أفهم أن بعض البدايات التي حسبتها فشلًا، كانت في الحقيقة مرحلة بحث.

كل تجربة كانت تعرّفني على جزء جديد من نفسي:

ما الأشياء التي أحبها فعلًا؟

ما الذي يمنحني الطاقة؟

ما الذي يستنزفني؟

ما الذي يشبه صوتي؟

وما الذي كنت أحاول إقناع نفسي بأنه يشبهني فقط لأنه نجح مع شخص آخر؟

حتى التجارب التي لم تكتمل كانت تقدم لي معلومة.

بعضها قال لي:

هذا الأسلوب لا يناسبك.

وبعضها كشف أنني أحب الفكرة، لكن لا أحب الطريقة التي أحاول تنفيذها بها.

وبعضها جعلني أرى أن ما كنت أبحث عنه لم يكن مشروعًا جديدًا، بل فهمًا أوضح لنفسي.

وهذا لا يعني أن كل توقف قرار صحيح، أو أن الاستمرار غير مهم.

بعض الأشياء تحتاج فعلًا إلى الصبر والانضباط، وتجاوز المرحلة التي يهدأ فيها الحماس.

لكن ليس كل توقف كسلًا.

وليس كل تغيير في الطريق هروبًا.

وأحيانًا لا نعرف الفرق بينهما إلا عندما نتوقف عن محاكمة أنفسنا، ونبدأ في الإنصات لما حدث فعلًا.


يمكن أنك لا تعود إلى نقطة الصفر

عندما تبدأ من جديد، قد تشعر أنك خسرت كل ما بنيته سابقًا.

لكننا نادرًا ما نبدأ من الصفر فعلًا.

نعود ومعنا معرفة لم تكن موجودة في المرة الأولى.

نعرف أكثر عما يناسبنا وما لا يناسبنا.

نلاحظ إشارات لم نكن قادرين على رؤيتها.

ونحمل مهارات وأفكارًا وتجارب ستظهر قيمتها لاحقًا، حتى لو لم نعرف وقتها أين سنستخدمها.

يمكن أن يبدو الطريق من الخارج متقطعًا:

بداية.

ثم توقف.

ثم بداية أخرى.

لكن عندما تنظر إليه من مسافة أبعد، قد تكتشف أن كل مرحلة كانت تسلمك إلى المرحلة التي بعدها.

وأنك لم تكن تعيد الرحلة نفسها.

كنت تجمع أجزاء الصورة، جزءًا بعد جزء.


غيّر السؤال قبل أن تحكم على نفسك

لفترة طويلة كان سؤالي:

ليش كل مرة أبدأ من جديد؟

وكان السؤال يحمل في داخله حكمًا جاهزًا:

هناك شيء خاطئ فيّ.

لكن عندما تغيّر السؤال، تغيّرت الطريقة التي أنظر بها إلى رحلتي.

بدلًا من أن أسأل:

لماذا لم أكمل؟

بدأت أسأل:

وش كانت تحاول تعلمني كل بداية؟

يمكن أن تجرب هذا السؤال مع إحدى البدايات التي ما زالت عالقة في ذاكرتك:

  • ما الذي عرفتك عليه هذه التجربة في نفسك؟

  • ما الجزء الذي أحببته فعلًا؟

  • في أي لحظة بدأت تبتعد عنها؟

  • هل توقفت لأن الفكرة لا تشبهك، أم لأن الاستمرار أخافك؟

  • ما الشيء الذي بقي معك منها حتى اليوم؟

ليس الهدف أن تجد تبريرًا لكل ما لم يكتمل.

ولا أن تقنع نفسك بأن كل توقف كان ضروريًا.

الهدف فقط أن ترى التجربة كاملة، بدلًا من اختصارها في كلمة واحدة:

فشل.


يمكن أن تكون البدايات جزءًا من العبور

بعض الطرق لا تقودنا إلى النتيجة التي تخيلناها.

لكنها تقودنا إلى فهم أعمق لأنفسنا.

وبعض المشاريع لا تستمر بصورتها الأولى، لكنها تترك داخلنا فكرة تعود لاحقًا بشكل أنضج وأصدق.

لهذا، يمكن أن تكون البدايات المتكررة مرحلة طبيعية من العبور.

ليست دائمًا عودة إلى الخلف.

وأحيانًا تكون الطريقة التي نقترب بها، مرة بعد مرة، من الطريق الذي يشبهنا.

لكن يبقى سؤال آخر:

إذا كانت بعض البدايات جزءًا طبيعيًا من الرحلة، وكان التوقف لا يعني دائمًا الفشل…

فليش نقتنع بهذه السهولة أن المشكلة فينا؟

هذا هو السؤال الذي نكمل معه الرحلة في الحلقة القادمة من غسق العبور:

هل المشكلة فعلًا فيك؟


استمع إلى الحلقة

🎧الحلقة الثانية من بودكاست غسق العبور: ليش كل مرة أبدأ من جديد؟

يمكنك الاستماع إلى الحلقة عبر Spotify أو YouTube أوApple Podcasts.


شاركني

ارجع إلى واحدة من البدايات التي لم تكتمل في حياتك، واسأل نفسك بهدوء:

وش كانت تحاول تعلمني هذه البداية؟

اكتب إجابتك في التعليقات، أو شارك المقال مع شخص ما زال يعتقد أن بداياته المتكررة تعني أنه فشل.

يمكن قصته ما انتهت.

يمكن أجزاء الصورة ما زالت تتجمع.


...وإذا تحب توصلك المقالات الجديدة
.EVARA اشترك في نشرة


Azza Turki | EVARA
عزة تركي هي مؤسسة EVARA، وهي مساحة تهدف إلى مساعدة الإنسان على فهم هويته، واكتشاف إمكانياته، وتحويلها إلى أثر يشبهه. من خلال الكتابة، والتدريب، وبودكاست غسق العبور، تشارك رحلات في الوعي، والهوية، والتحول الشخصي.
Back to Blog