امرأة تجمع اهتمامات وتجارب متفرقة في صورة واحدة ضمن قصة ولادة EVARA.
كيف ولدت إيفارا؟ | حين ظهرت الخريطة خلف التشتت
الحلقة الخامسة من بودكاست غسق العبور
هل مرّ عليك وقت شعرت فيه أن اهتماماتك أكثر من اللازم؟
تتعلم شيئًا، ثم تنتقل إلى غيره. تبدأ فكرة، ثم تتوقف. تنجذب إلى مجال، وبعد فترة تجد نفسك في مجال مختلف تمامًا.
ومن الخارج، تبدو هذه الحركة وكأنها تشتت. ومن الداخل، يبدأ السؤال الأصعب:
أنا وش أبي بالضبط؟ وليش ما أقدر أختار طريقًا واحدًا وأكمل فيه؟
عشت هذا السؤال سنوات. كنت أرى التدريب في جهة، والتصميم في جهة، والتسويق في جهة، والوعي وفهم النفس في جهة أخرى. وكلما حاولت ترتيبها، بدت لي كأنها قطع لا تنتمي إلى الصورة نفسها.
لكنني اكتشفت لاحقًا أن القطع لم تكن خاطئة.
أنا فقط كنت أحاول فهم كل قطعة وحدها، قبل أن أرى الخريطة كاملة.
حين تبدو اهتماماتك كأنها أجزاء متفرقة
نحن معتادون على القصص التي تسير في خط واضح: يختار الإنسان مجالًا، يتخصص فيه، ثم يواصل طريقه حتى يصل.
ولهذا، حين لا تشبه حياتنا هذا الخط، قد نظن أن المشكلة فينا.
نقارن أنفسنا بمن عرف وجهته مبكرًا. نلوم أنفسنا على كل بداية لم تكتمل. وننظر إلى الاهتمامات المتعددة كأنها دليل على أننا لا نعرف ما نريد.
لكن الحياة لا تكشف معناها دائمًا بالترتيب الذي نتمناه.
أحيانًا نمر بتجربة قبل أن نفهم دورها. نتعلم مهارة من غير أن نعرف أين سنستخدمها. ننجذب إلى سؤال لا نجد له إجابة، ثم يعود إلينا بعد سنوات بصورة أخرى.
وفي كل مرحلة نأخذ معنا شيئًا: طريقة في التفكير، قدرة على الإصغاء، عينًا تلاحظ التفاصيل، مهارة في التعبير، أو فهمًا لمشكلة عشناها بأنفسنا.
حين ننظر إلى كل جزء وحده، قد يبدو عشوائيًا. لكن عندما تتكرر الخيوط نفسها في مراحل مختلفة، يصبح السؤال أصدق من الحكم:
وش الرابط بين كل هذه الأشياء؟
العودة إلى جملة قديمة كشفت أن فكرة EVARA كانت موجودة قبل أن تجد شكلها.
جملة كتبتها قبل أن يوجد الاسم
في عام 1440، كتبت نصًا عن شعور كان يرافقني كثيرًا.
كنت أتعلم، وأقرأ، وأطور نفسي في مجالات مختلفة. ومن الخارج، كان يفترض أن أشعر بالامتلاء. كانت لدي معرفة، وقدرات، ورغبة حقيقية في أن أصنع شيئًا.
لكنني من الداخل كنت أشعر بفراغ غريب؛ كأن كل ما أعرفه لم يجد مكانه بعد.
كتبت وقتها:
«كانت تراودني تلك الأفكار دائمًا… أسأل نفسي: ليش ما أشعر بالرضا؟ وليش أنا مترددة في خطواتي نحو النجاح؟ كنت أعلّم نفسي، وأطوّرها في مجالات مختلفة، لكني فعلًا أشعر بالفراغ.»
ثم كتبت قرارًا بسيطًا:
«سأشارك كل معارفي وما تعلمته في مساعدة الناس.»
لم يكن عندي وقتها اسم EVARA. لم يكن هناك برنامج، أو موقع، أو هوية، أو حتى صورة واضحة لما يمكن أن أبنيه.
لكن حين أعود إلى هذه الجملة اليوم، أرى أن الفكرة كانت موجودة بالفعل.
ما كان ينقصها الصدق… كان ينقصها الشكل..
ما كان ينقصها الصدق… كان ينقصها الشكل.
الرسائل لا تبدأ دائمًا بخطة
نتوقع أحيانًا أن تأتي الرسالة في لحظة واضحة: فكرة مكتملة، اسم مميز، وخطوات نعرف تمامًا كيف ننفذها.
لكن الواقع غالبًا أهدأ من ذلك.
قد تبدأ الرسالة بشعور صغير بأن الشيء الذي تعرفه لم يعد يكفي أن يبقى داخلك.
يمكن أنك تعرف كيف تهدئ شخصًا في لحظة صعبة. أو تلاحظ ما لا يلاحظه غيرك. أو تملك قدرة على الترتيب، أو التعليم، أو الإصغاء، أو التصميم، أو حل المشكلات.
وقد ترى هذه الأشياء عادية لأنها سهلة عليك.
لكن ما يأتيك بصورة طبيعية قد يكون بالضبط ما يحتاجه شخص آخر.
هذا لا يعني أن كل مهارة يجب أن تتحول إلى عمل، أو أن كل اهتمام يحمل رسالة كبيرة. لكنه يعني أن الأشياء التي تتكرر معنا تستحق أن نلاحظها، بدل أن نقلل من قيمتها فقط لأنها مألوفة لنا.
فالرسالة قد تكون موزعة بين موضوع أحببته منذ سنوات، ومشكلة تلاحظها باستمرار، ومهارة تعود إليها كلما ابتعدت عنها، وتجربة تمنيت وقتها لو وجدت من يساعدك على فهمها.
الخريطة التي كانت تتكوّن بهدوء
تخيل أنك تمشي سنوات، وفي كل مرحلة تأخذ قطعة: مفتاحًا صغيرًا، ورقة عليها جملة، صورة، حجرًا، أو جزءًا من خريطة.
كلما نظرت إلى القطعة وحدها، لم تعرف فائدتها. وربما ظننت أنك تجمع أشياء عشوائية.
ثم يأتي يوم تضع فيه القطع أمامك، فتكتشف أنها لم تكن منفصلة كما بدت. كانت خريطة كاملة، لكنها كانت تتكون بهدوء.
هذا تقريبًا ما حدث معي.
دورة تدريب المدربين لم تكن تجربة منفصلة. اهتمامي بالوعي لم يكن مرحلة وانتهت. السنوات التي عملت فيها في التصميم والتسويق لم تكن بعيدة عن رسالتي. وحتى بعض المحاولات التي بدأت ثم توقفت، كشفت لي ما يشبهني، وما لا يشبهني، وما أستطيع تقديمه بصدق.
لم تكن كل المحاولات خطوات ناجحة. وبعض الطرق لم تكن مناسبة لي فعلًا. لكن حتى التوقف أحيانًا أعطاني معلومة لم أكن سأعرفها من التفكير وحده.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ أنني أعود إلى الأسئلة نفسها، وأستخدم المهارات نفسها بطرق مختلفة، وأن شيئًا واحدًا كان يجمعها:
رغبتي في مساعدة الإنسان على فهم نفسه قبل أن يركض لبناء حياته.
هل التشتت محاولة لجمع أدواتك؟
أحيانًا يكون ما نسميه تشتتًا محاولة لجمع أدوات رسالة لم تتضح بعد.
لكن هذه الفكرة تحتاج إلى توازن.
مو كل اهتمام رسالة. ومو كل تجربة يجب أن نحولها إلى مشروع. وبعض الطرق كانت فعلًا مجرد تجارب لا تناسبنا، ولا نحتاج أن نخترع لها معنى جميلًا بعد انتهائها.
الفرق يظهر في التكرار.
حين يستمر موضوع معين في العودة، أو يتكرر السؤال نفسه في مراحل مختلفة، أو تلاحظ أنك تستخدم مجموعة المهارات ذاتها مهما تغير المجال، هنا يستحق الأمر أن تتوقف وتسأل:
ما الشيء الذي ظل يعود إليّ من سنوات؟
ما المهارة التي أستخدمها تلقائيًا وأعدّها عادية؟
ما المشكلة التي أفهمها لأنني عشتها؟
ما الموضوع الذي أتكلم عنه بحماس حتى من غير مقابل؟
ما الشيء الذي أشعر أن له معنى حين أساعد فيه شخصًا آخر؟
هذه الأسئلة لا تعطيك مشروعًا جاهزًا. لكنها قد تكشف طرف الخيط.
يمكن البذرة ما كانت هي المشكلة
رأيت بنفسي كيف يمكن للإنسان أن يتعلم كثيرًا ويظل ضائعًا. وكيف يمكن أن يملك طموحًا حقيقيًا ومواهب واضحة، لكنه لا يعرف كيف يجمعها في اتجاه واحد.
وفي هذه المرحلة، تغيّر السؤال عندي.
بدل أن أسأل: كيف نصلح الإنسان؟
بدأت أسأل: ما البيئة التي يحتاجها حتى يرى نفسه بوضوح؟
تخيل أن لديك بذرة سليمة، فيها قابلية كاملة للنمو. لكنك زرعتها في تربة لا تناسبها، وسقيتها بطريقة خاطئة، ووضعتها في مكان لا تصله الشمس. ثم وقفت عندها وقلت: لماذا لا تنمو؟
يمكن البذرة ما فيها مشكلة.
يمكن البيئة كلها لم تكن تعرف كيف تحتضنها.
نحن نفعل شيئًا مشابهًا حين نعامل التردد كأنه ضعف، أو نطلب من الشخص أن يختار بسرعة قبل أن يفهم نفسه، أو نقارن إمكانياته بمسار صُمم لشخص آخر.
وقد لا يكون ما يحتاجه مزيدًا من المحتوى أو قائمة جديدة من الخطوات. أحيانًا يحتاج إلى مساحة يرتب فيها ما عنده أصلًا، ويميّز ما يشبهه فعلًا عما التصق به من توقعات الآخرين.
من الوعي إلى الإمكانيات… ومن الإمكانيات إلى الأثر
عندما بدأت أرى الصورة كاملة، لم أعد مضطرة إلى الاختيار بين الوعي والإبداع والتصميم والتسويق، كأن واحدًا منها فقط يحق له أن يبقى.
فهمت أن لكل جزء دوره:
الوعي يساعد الإنسان على أن يرى نفسه.
الهوية تساعده على أن يعرف ما يشبهه.
الإبداع يمنحه لغة يعبّر بها.
والتسويق، حين يُستخدم بصدق، يساعد القيمة على الوصول إلى الشخص الذي يحتاجها.
فجأة، تحولت المجالات التي بدت متباعدة إلى مراحل في الرحلة نفسها:
من الداخل إلى الخارج.
من الفهم إلى التعبير.
ومن الإمكانية إلى الأثر.
ويمكن أن أول فكرة عن الأثر لم أتعلمها من كتاب، بل من والدي. كان يقول لي:
«كل خير تسوينه… بيرجع لك.»
كنت أفهمها وأنا صغيرة كجملة جميلة عن فعل الخير. ثم فهمتها لاحقًا بصورة أوسع.
المعرفة حين تقف عندك تظل معرفة. لكن عندما تعبر منك إلى شخص آخر، وتساعده على رؤية شيء لم يكن يراه، تتحول إلى أثر.
والأثر لا يحتاج أن يكون ضخمًا. قد يكون سؤالًا جعل شخصًا يتوقف عن جلد نفسه، أو فكرة ساعدته على اتخاذ قرار أصدق، أو كلمة وصلته في الوقت الذي احتاجها فيه.
EVARA بدأت كحاجة… لا كاسم
هنا بدأت EVARA.
ليس كشعار، أو موقع، أو اسم أعجبني. بدأت كحاجة إلى مساحة تسمح للإنسان أن يتوقف قبل أن يندفع، وأن يفهم قبل أن يقرر، وأن يكتشف قبل أن يقلد.
هي المساحة التي كنت أبحث عنها أنا قبل أن أفكر في تقديمها لغيري.
كنت أتمنى أن أجد مكانًا لا يقول لي: كوني نسخة جديدة. ولا يطلب مني أن أختار مجالًا واحدًا بسرعة. ولا يعامل التردد كأنه نقص.
كنت أحتاج مساحة تقول:
تعالي أولًا… خلينا نفهم كل هذه القطع. يمكن ما كانت متناقضة، ويمكن إحنا فقط ما عرفنا الرابط بينها للحين.
ومن هذه الحاجة، اتضحت فلسفة EVARA:
EVARA ليست رحلة واحدة ترسم للناس طريقًا جاهزًا. هي البيئة التي تسمح للرحلات المختلفة أن تحدث؛ مساحة تساعد الإنسان على الاقتراب من نفسه، واكتشاف إمكانياته، ثم تحويل ما يعرفه إلى حياة وأثر يعبّران عنه.
لا تحتاج أن تصل إلى النهاية حتى تساعد أحدًا
نؤجل أحيانًا ما نستطيع تقديمه لأننا نتوقع منه شكلًا أكبر من اللازم.
نظن أننا يجب أن نصل إلى نهاية الطريق، أو نعرف كل الإجابات، حتى يكون لما نقوله قيمة.
لكن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقف فوق الجبل ويناديه. أحيانًا يحتاج إلى شخص مشى الطريق قبله بخطوات، ثم عاد ليقول له: انتبه، هنا حفرة. وهنا ظننت أنني ضائع، لكن هذا المنعطف كشف لي شيئًا مهمًا.
هذا هو المكان الذي أشعر أنني أقف فيه اليوم.
لست شخصًا عرف كل شيء، ولا شخصًا انتهت رحلته. أنا شخص عاش الأسئلة، وبدأ يعرف كيف يمسك طرف الخيط.
ولهذا لم تُبنَ EVARA لتقول للناس من يكونون، أو لترسم لهم طريقًا واحدًا. ما يشبه شخصًا قد لا يشبه غيره أبدًا. لكننا جميعًا نحتاج إلى بيئة تسمح لنا بأن نرى بوضوح أكبر.
متى ولدت EVARA فعلًا؟
حين أسأل نفسي اليوم: متى ولدت EVARA؟ لا أستطيع أن أعطي تاريخًا واحدًا.
هل ولدت يوم كتبت: «سأشارك كل معارفي وما تعلمته في مساعدة الناس»؟
أم يوم دخلت التدريب؟ أو يوم عملت في التصميم؟ أو حين بدأت أفهم نفسي بصدق أكبر؟ أو حين أدركت أن هذه الأشياء كلها لا يجب أن تتنافس داخل حياتي؟
يمكن أن تكون الإجابة أن EVARA لم تولد في لحظة واحدة.
كانت تنمو معي: في كل سؤال، ومحاولة، وبداية توقفت، وفكرة عادت رغم أنني ظننت أنني تجاوزتها.
إلى أن جاء الوقت الذي استطعت فيه أن أرى الخريطة.
ظهور الرابط بين التجارب والمهارات وتحولها من إمكانيات متفرقة إلى أثر.
ما الذي يتكرر في حياتك؟
لا تستعجل وتقول: ما عندي رسالة.
ولا تبدأ فقط بسؤال: ما المشروع الذي يجب أن أطلقه؟
ابدأ بالملاحظة.
راقب الأشياء التي تعود إليك، والأسئلة التي لا تتركك، والمهارات التي تظهر في أكثر من مكان، والمشكلات التي تفهمها من الداخل.
ليس مطلوبًا أن تجد إجابة اليوم. وليس كل ما مر بك مقدمة لشيء عظيم. فبعض الألم لم يكن ضروريًا، وبعض التأخير لا يحتاج إلى تفسير جميل.
لكن الإنسان يملك أن يأخذ ما عاشه، ثم يقرر ماذا يصنع منه.
أنا لم أستطع تغيير كل ما حدث لي. لكنني استطعت ألا أتركه أحداثًا متفرقة. حولته إلى فهم، والفهم إلى اتجاه، والاتجاه إلى مساحة يمكن أن تساعد غيري.
هذه المساحة اسمها EVARA.
ولو سألتني اليوم: ما EVARA؟
لن أقول إنها مشروع، أو دورة، أو منصة محتوى.
سأقول:
هي المساحة التي كنت أتمنى أحدًا يفتحها لي قبل سنوات. ولما ما لقيتها… قررت أبنيها.
عزة تركي هي مؤسسة EVARA، وهي مساحة تهدف إلى مساعدة الإنسان على فهم هويته، واكتشاف إمكانياته، وتحويلها إلى أثر يشبهه. من خلال الكتابة، والتدريب، وبودكاست غسق العبور، تشارك رحلات في الوعي، والهوية، والتحول الشخصي.